محمد بن جرير الطبري
95
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فأمسك عنهم المطر ، فكان ذلك عذابهم ، فذلك قوله : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبد المؤمن ، عن نجدة ، قال : سألت ابن عباس ، فذكر نحوه ، إلا أنه قال : فكان عذابهم أن أمسك عنهم المطر . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً استنفر الله المؤمنين في لهبان الحر في غزوة تبوك قبل الشام على ما يعلم الله من الجهد . وقد زعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة والحسن البصري ، قالا : قال : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وجوب النفر وقال : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ إلى قوله : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فنسختها الآية التي تلتها : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً إلى قوله : لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ قال أبو جعفر : ولا خبر بالذي قال عكرمة والحسن من نسخ حكم هذه الآية التي ذكروا يجب التسليم له ، ولا حجة تأتي بصحة ذلك ، وقد رأى ثبوت الحكم بذلك عدد من الصحابة والتابعين سنذكرهم بعد . وجائز أن يكون قوله : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً لخاص من الناس ، ويكون المراد به من استنفره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم ينفر على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس . وإذا كان ذلك كذلك ، كان قوله : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً نهيا من الله المؤمنين عن إخلاء بلاد الإسلام بغير مؤمن مقيم فيها ، وإعلاما من الله لهم أن الواجب وجوب النفر على بعضهم دون بعض ، وذلك على من استنفر منهم دون من لم يستنفر . وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في إحدى الآيتين نسخ للأخرى ، وكان حكم كل واحدة منهما ماضيا فيما عنيت به . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وهذا إعلام من الله أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم أنه المتوكل بنصر رسوله على أعداء دينه وإظهاره عليهم دونهم ، أعانوه أو لم يعينوه ، وتذكير منه لهم فعل ذلك به ، وهو من العدد في قلة والعدو في كثرة ، فكيف به وهو من العدد في كثرة والعدو في قلة ؟ يقول لهم جل ثناؤه : إلا تنفروا أيها المؤمنون مع رسولي إذا استنفركم فتنصروه ، فالله ناصره ومعينه على عدوه ومغنيه عنكم وعن معونتكم ونصرتكم ؛ كما نصره إذ أخرجه الذين كفروا بالله من قريش من وطنه وداره ثانِيَ اثْنَيْنِ يقول : أخرجوه وهو أحد الاثنين : أي واحد من الاثنين ، وكذلك تقول العرب : " هو ثاني اثنين " يعني أحد الاثنين ، وثالث ثلاثة ، ورابع أربعة ، يعني : أحد ثلاثة ، وأحد الأربعة ، وذلك خلاف قولهم : هو أخو ستة وغلام سبعة ، لأن الأخ والغلام غير الستة والسبعة ، وثالث : أحد الثلاثة . وإنما عنى جل ثناؤه بقوله : ثانِيَ اثْنَيْنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ، رضي الله عنه ، لأنهما كانا اللذين خرجا هاربين من قريش ، إذ هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم واختفيا في الغار . وقوله : إِذْ هُما فِي الْغارِ يقول إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رحمة الله عليه في الغار ؛ والغار : النقب العظيم يكون في الجبل . إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ يقول : إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر : لا تَحْزَنْ وذلك أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما ، فجزع من ذلك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحزن لأن الله معنا ، والله ناصرنا ، فلن يعلم المشركون بنا ، ولن يصلوا إلينا " يقول جل ثناؤه : فقد نصره الله